محمد حسين هيكل

165

حياة محمد ( ص )

عبد اللّه بن جحش ، قتال الذين يفتنون المسلم عن دينه ويصدّون عن سبيل اللّه ، وهذا هو القتال في سبيل حرية الدعوة إلى اللّه وإلى دينه . وبعبارة تتمشى مع أسلوب عصرنا الحاضر : الدفاع عن الرأي بالوسائل التي يقاتل بها أصحاب الرأي . فإذا أراد أحد أن يفتن رجلا عن رأيه بالدعاية وبالمنطق دون أن يحمله على ترك هذا الرأي بالقوّة وبغير القوّة من وسائل الرشوة والتعذيب ، لم يكن لأحد أن يدفع هذا الرجل إلا بإدحاض حجته وتفنيد منطقه ، لكنه إذا حاول بالقوة المسلحة أن يصد صاحب رأي عن رأيه ، وجب دفع القوّة المسلحة بالقوّة المسلحة متى استطاع الإنسان إليها سبيلا . ذلك بأن كرامة الانسان تتلخّص في كلمة واحدة : عقيدته . فالعقيدة أثمن ، عند من يقدر معنى الإنسانية ، من المال ومن الجاه ومن السلطان ومن الحياة نفسها ، من هذه الحياة الماديّة التي يشترك الإنسان والحيوان فيها ، يأكلون ويشربون ، وتنمو أجسامهم وتقوى عضلاتهم . والعقيدة هي هذه الصلة المعنوية بين الإنسان والإنسان ، والصلة الروحية بين المرء وربه . وهي هذا الحظ الذي يمتاز به الإنسان على سائر الحيوان مما في الحياة ، والذي يجعله يحب لأخيه ما يحب لنفسه ، ويؤثر البائس والفقير والمسكين على أهله ولو كان به وبهم خصاصة ، ويتّصل بالكون كله ليعمل دائبا كي يبلغ الكون ما قدّر اللّه له من كمال . إذا ملكت هذه العقيدة إنسانا فحاول غيره فتنته عنها ولم يستطع دفاعا عن نفسه ، فعل ما فعل المسلمون قبل هجرتهم إلى المدينة ، فاحتمل المساءة والأذى وصبر على الهون والضيم ، ولم يصدّه جوع ولا حرمان أيّا كان نوعه عن التمسك بعقيدته . وهذا الذي فعل المسلمون الأوّلون هو الذي فعل المسيحيون الأولون . لكن الصابرين لعقيدتهم ليسوا هم سواد الناس ولا جماعتهم ، وإنما هم الصفوة والمختارون ومن حباهم اللّه من قوّة الإيمان ما يصغر معه كل أذى وكل ضيم ؛ وما يدكّ الرّواسي ، وما تقول معه للجبل انتقل من مكانك ينتقل ، على حدّ تعبير الإنجيل . لكنك إذا استطعت أن تدفع الفتنة بسلاح من يحاول الفتنة ، وأن تقف في وجه من يصدّ عن سبيل اللّه بوسائله ، وجب عليك أن تفعل ، وإلا كنت مزعزع العقيدة ضعيف الإيمان . وهذا ما فعل محمد وأصحابه بعد أن استقرّ لهم الأمر بالمدينة ؛ وهذا ما فعل المسيحيون بعد أن استقرّ لهم السلطان في رومية في بزنطية وبعد أن لان قلب بعض عواهل الروم لدين المسيح . المسيحية والقتال ويقول المبشرون : لكن روح المسيحية تنكر القتال على إطلاقه . ولست أقف لأبحث عن صحة هذا القول . لكن تاريخ المسيحية أمامنا شاهد عدل ، وتاريخ الإسلام أمامنا شاهد عدل . فمنذ فجر المسيحية إلى يومنا هذا خضّبت أقطار الأرض جميعا بالدماء باسم السيد المسيح ؛ خضبها الروم وخضبتها أمم أوروبا كلها . والحروب الصليبية إنما أذكى لهيبها المسيحيون لا المسلمون . ولقد ظلّت الجيوش باسم الصليب تنحدر من أوروبا خلال السنين قاصدة أقطار الشرق الإسلامية ، تقاتل وتحارب وتريق الدماء ، وفي كل مرة كان البابوات خلفاء المسيح يباركون هذه الجيوش الزاحفة للاستيلاء على بيت المقدس وعلى الأماكن النصرانية المقدّسة . أفكان هؤلاء البابوات جميعا هراطقة وكانت مسيحيتهم زائفة ؟ أم كانوا أدعياء جهالا لا يعرفون أن المسيحية تنكر القتال على إطلاقه ؟ أم يقولون : تلك كانت العصور الوسطى عصور الظلام فلا يحتج على المسيحية بها ؟ إن يكن ذلك بعض ما قد يقولون ، فإن هذا القرن المتم للعشرين الذي نعيش فيه والذي يسمونه عصر الحضارة الإنسانية العليا ، قد رأى ما رأت تلك العصور الوسطى المظلمة . فقد وقف اللورد اللنبي ممثل الحلفاء : إنكلترا وفرنسا وإيطاليا ورومانيا وأمريكا ، يقول في بيت المقدس في سنة 1918 حين استيلائه عليه في أخريات الحرب العالمية الأولى : « اليوم انتهت الحروب الصليبية » .